ابن عجيبة

526

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

متناه ، فحيث انتهى قدم الولي ابتدأ ترقى النبي ، وأما أهل الحجاب فإما أن يكون علمهم بالله بالبراهين القطعية والدلائل السمعية ، وهم العلماء الراسخون ، وهو مقام الشهداء ، وإما أن يكون علمهم بالرياضات والمجاهدات وتواتر الكرامات ، وهم العباد والزهاد . وهو مقام الصالحين ، ويلتحق بهم عوام المسلمين ، لأن كل مقام من هذه المقامات فيه درجات ومقامات لا يحصرها إلا العالم بها . والله تعالى أعلم . ثم رغّب في الجهاد الذي هو المقصود ، فقال : [ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 71 إلى 74 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُباتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً ( 71 ) وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيداً ( 72 ) وَلَئِنْ أَصابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً ( 73 ) فَلْيُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً ( 74 ) قلت : الحذر والحذر واحد ، كالشّبه والشّبه ، وبطأ يستعمل لازما بمعنى ثقل ، ومتعديا - بالتضعيف - أي : بطّأ غيره ، و ( لمن ليبطئن ) اللام الأولى للابتداء ، والثانية للقسم ، أي : وإنّ منكم - أقسم بالله - لمن ليبطئن . وجملة : ( كأن لم يكن ) : اعتراضية بين القول والمقول ، تنبيها على ضعف عقيدتهم ، وأن قولهم هذا قول من لا مواصلة بينكم وبينه . يقول الحق جل جلاله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تأهبوا واستعدوا لجهاد الأعداء ، و خُذُوا حِذْرَكُمْ منهم ؛ بالعدّة والعدد ، ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ، ولا حجة فيه للقدرية ؛ لأن هذا من الأسباب التي ستر الله بها أسرار القدرة . وقد قال لنبيّه - عليه الصلاة والسلام - : قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إِلَّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا وقال - عليه الصلاة السلام - : « اعقلها وتوكل » . وفي ذلك طمأنينة للقلوب التي لم تطمئن وتشريعا للضعفاء ، فإذا تأهبتم واستعددتم فَانْفِرُوا أي : اخرجوا إلى الجهاد ثُباتٍ أي : جماعات متفرقة ، سرية بعد سرية ، أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً أي : مجتمعين مع نبيكم ، أو مع أميركم . وَإِنَّ مِنْكُمْ يا معشر المسلمين لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ الناس عن الجهاد ، أو ليتثاقلن ويتخلفن عنه ، وهو عبد الله بن أبىّ المنافق ، وأشباهه من المنافقين ، فَإِنْ أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ ؛ كقتل أو هزيمة قالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ